اخرجي عن صمتكِ

بقلم شيرين عواد هلال

للمرّة الأولى، تنتابني مشاعر مزدوجة فيما يتعلق بتقييم المرأة، فهل تقيّم المرأة بجمالها أم بدورها وتأثيرها على المجتمع والكنيسة والعائلة؟

مفاهيم مغلوطة ومواصفات تم تصميمها لما يسمى بالمرأة العصرية، وأصبحت المرأة تبذل قصارى جهدها لتبدو شبيهة بملكات الجمال أو عارضات الأزياء اللواتي يظهرن على التلفاز. وأحياناً أرى في المرأة لعبة بلاستيكية تشبه لعب الباربي حيث يتم إلغاء الجوهر لصالح المظهر الخارجي.

لقد أنعم الله على بعض النساء بصفة الجمال ولكن هل جميعهنّ يتمتعن بالجمال الخارجي؟ وإن كانت جميلة من الخارج هل يعني ذلك أنها جميلة أيضاً في قلبها؟ أرجو أن لا يتم فهمي بطريقة خاطئة، إنني لست ضد الجمال أو ضد المرأة الأنيقة ولكنني أختلف مع اللواتي يعتقدن أن أهم ما في الحياة هو الجمال الخارجي.

كثيراً ما يتم طمس مواهب المرأة بذريعة العادات والتقاليد، وكأننا خلقنا لنسير وراء العادات والتقاليد بحرفيتها وكأن الله خلق المرأة من غير أن يهبها أية مواهب، وإن تمتّعت بموهبة فتصبح تقليدية أكثر من اللازم لكي لا تندم في يوم من الأيام لعدم توظيفها للمواهب التي حياها الله إياها.

قلة قليلة من النساء تركن العادات والتقاليد السلبية وسطرن تاريخهن. إذن، من أنت وأين أنت؟ هل تعرفين امرأة تحتذين بها كمثلك الأعلى أم يصعب عليك التفكير في هذا الاتجاه؟ هل تقتصر خدمتك على النساء والأطفال، وهذا بالطلع أمر رائع في حد ذاته. ولكن هل لك الحق أن توسعي تخومك وخدمتك، وتكوني أكثر تأثيراً على الرجل أيضاً؟ أم أن هذا “عيب” مثلما يقولون؟ هل يحق للمرأة أن تتمتع بنفس الحقوق والواجبات في المنزل ومكان العمل وعلى المستويات الشعبية والاجتماعية؟

تفضّل بعض النساء أن يقمن بعملهنّ وحدهن، لأن مشاركة الرجل في الأمور المنزلية، هو مجرد “وجع رأس”، وبالتالي تتحمل المرأة عبء كبير وثقيل، أي عملها في البيت وخارجه بصمت ودون تذمر، مع العم أن الكثيرات عبر التاريخ استطعن تحطيم القيود وتحدي الظلم والتمييز العنصري، وأوضح دليل على قوة المرأة هي المناضلة السوداء “روث بارك” التي رفضت الجلوس في خلفية الحافلة كما كان معمولا به في الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، وأصرت على حماية كرامتها كإنسانة متسلحة بفطرتها الإنسانية كزنها إنسانة ومن حقها أن تتمتع بكامل حقوقها بغض النظر عن اللون والعرق والعقيدة والمعتقد.

دعونا نلقي الضوء على بعض ميزات الأنوثة والرجولة في الكتاب المقدس:

أولاً، ينظر الكتاب المقدس إلى الذكور والإناث كبشر مخلوقين على صورة الله ومثاله (تك1: 27)، ولذلك فهم متساوون في نظر الله. لا يذكر الكتاب المقدس شيئاً عن جمال حواء وذكائها أو عن قوة آدم وحكمته، ويبدو أنه لا يريد أن نقيمهما بحسب تلك المقاييس بل بحسب مقياس واحد بسيط، أنهم مخلوقين على صورة الله.

ثانياً، خلق الله عالماً حسناً وجميلاً، نظرة واحدة إلى الخليقة من حولنا تثبت لنا أن الله فنان يحب الجمال بل ويصنعه أيضاً (مزمور19). لكن الله لم ينوي أن يكون الجمال إلهاً قط. نعم، يريدنا الله أن نفرح بجمال الخليقة وبجمال الإنسان، وبأناقة المرأة والرجل، لكنه لم يخطط ان يصبح الجمال هماً من هموم البشر، وسبباً في تشويه شخصياتهم. يذكر الكتاب المقدس جمال بعض الناس (داوود، 1صمو17:42، أبيجايل، 1 صمو25:3)، ولكن ليس للإضافة إلى قيمتهم بل وصفاُ لهم. لا يمنع الكتاب المقدس الأناقة، على العكس، بل بحسب رأيي، يرى الله الأناقة فناً.

ثالثاً، مدح الكتاب المقدس المرأة على العمل الصالح ولم يقيمها على أساس جمالها بل على العكس اعتبر الجمال في علاقة الرجل والمرأة أمر فانٍ (أمثال 31). وتعطينا رسالة بطرس الأولى الفكرة ذاتها. فعندما تقول الآية:

“ولا تكن زينتكن الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب، بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن” 1 بط3 : 3-4

لا يقصد بها أن لا تتزين المرأة إنما المقصود هنا أن تقييم الرجل للمرأة ينبغي أن يكون مستنداً إلى مكوناتها الشخصية والأخلاقية، أي التقييم على أساس المضمون والضمير الحي وليس على القشور الفانية والتبرج المبتذل. لاحظوا معي أن هاتين الآيتين تأتيان في سياق الحديث عن ربح المرأة المؤمنة لزوجها غير المؤمن للمسيح. أي تجذب المرأة زوجها إلى الإيمان بالشهادة الحسنة لا بالإغراء. إن هذه الإضاءة موجهة للنساء والرجال أيضاً.

وهناك العديد من الآيات التي تتكلم عن موضوع الجمال والإنجازات لدى الرجل والمرأة. فباختصار لا نجد أن الكتاب المقدس يأمر الذكور والإناث أن يكونوا بحسب الصورة الخارجية فقط من جمال وافتخار. بل على العكس يريد الله أن يحررنا من هذه الصور التي تستعبدنا لكي نكون بالحقيقة أحراراً عارفين أنفسنا ومتقدمين نحو النضوج في المسيح. لا يهدف الكتاب المقدس إلى دفن الأنوثة والرجولة فينا، بل يريدنا أن نعيش مميزات أنوثتنا ورجولتنا بالطريقة التي يصفها في الكتاب المقدس.

عزيزتي، أختي، أمي، صديقتي، زميلتي، معلمتي، طالبتي، أنا لا أطلب المستحيل، ولكن أودّ أن أشجعك في هذا اليوم أن تخرجي عن صمتك، وأن تستخدمي المواهب التي منحك الله إياها، كي تكوني نوراً وملحاً في هذا المجتمع. إنني أرى مستقبلاً واعداً لنساء فلسطين، ولا سيّما لطالبات كلية بيت لحم للكتاب المقدس اللواتي يشكلن الأغلبية فيها (60-70%) أنتّ شعلة هذا المكان، وأومن أننا نستطيع أن نتعاون وننجز وننجح ونبني معاً، إنني سعيدة بخدمة الله في هذا المكان كوني عميدة شؤون الطلبة وأثق أننا معاً وبنعمة الله سننهض من سبات عميق وسنُنهض مجتمعنا وكنائسنا وبيوتنا.

هذا المقال مأخوذ من مجلة “آنية بيده” العدد الرابع