هي تحتاجك وقت الألـم

بقلم جين زلفو

وحيدة خائفة متألمة؛ هكذا كانت مشاعري لحظة مغادرة سيارة الاسعاف بيتنا وأبي بداخلها يصارع الموت، وامي واختى الكبيرة ذهبتا معه وبقيت وحدي بالبيت مع صغيرتا اختي، حائرة خائفة لا أعلم ما هي التطورات الصحية مع أبي، لان بذلك الوقت لم تكن الهواتف النقالة متوفرة، ومرت ساعات ولم اسمع أي خبر، واخيرا رن هاتف البيت، التقطته بسرعة لعلي اسمع خبر سار، وإذ بها زميلتي بالكلية تسألني عن الوظائف الدراسية… حينها أجهشت بالبكاء أعبر لها عن مشاعري الحزينة لما حدث لابي، وبعد دقائق معدودة وإذ بباب البيت يدق وكانت خلفه، جائت لتواسيني وتشددني وتبقى معي بهذا الوقت المؤلم، نعم جاءت شخصيا لتمسح دموعي وتخفف من المي وتمسك بيدي، وترافقني في وحدتي وتشجعني في خوفي… وهذا بالضبط ما كنت بحاجة اليه، ومنذ عام 1998 ونحن صديقاتان حميمتان، نشارك بعضنا الافراح والاحزان، فقد وجهت لي رسالة في تلك الحادثة، صنعت فرقا عظيماً في حياتي، كان مغزاها انها موجودة من أجلي، في الوقت الذي كنت فيه اشعر بالالم والضعف.
هي جاءت وليس هو؛ لان هو لا يفي بالغرض بهذا الوقت المؤلم؛ هي تفهمني لان لها نفس تركيبتي السيكولوجية، فالمرأة في أوقات الألم والضغط تحتاج إلى الكلام والشعور بالتعاطف والتفهم، من قبل امرأة تفهمها أكثر من رجل، فآخر ما تحتاج اليه هو تقديم النصائح والحلول، هذه المرحلة بحسب علم النفس السلوكي تسمى مرحلة الحمم البركانية؛ فهي تصرخ وتبكي وتخرج ما بداخلها على شكل ثوران بركاني عاطفي، يظهر بالتعبير عن مشاعرها الصريحة الجياشة. وتظهر هذه المشاعر بشكل واضح وقت الالم والضعف، بالذات وقت فقدان قريب أو عزيز، فهي تبكي وتصرخ وتعبر عن مشاعرها الجريحة دون وضع الحواجز او الحدود.
أما الرجل فله تركيبة سيكلوجية مختلفة جدا عن المراة، فهو ينزع إلى الصمت والانعزال والشرود، أو الغضب، محاولاً العثور على حل لمشكلته، وبحسب علم النفس تسمى هذه المرحلة “بالكهف الذاتي” لان الرجل يفكر بطريقة تتابعية تحتاج لتنظيم دقيق؛ ففي هذه المرحلة قد لا يتكلم مع أحد، ويعبر عن ألمه وضعفه من خلال الغضب والصراخ والانعزال، واحياناً استخدام القوة الجسدية الغاضبة الثائرة حتى يعبر عن غضبة وألمة لما فقده. وقد يفقد قدرته على التواصل الفعال مع الاخرين الى حين.

فالمرأة أكثر تفهاً للمرأة من غيرها. ذلك لان لها نفس التركيبة السيكولوجية، وبالتالي تشعر بها وما تمر فيه، فتقدم لها ما تحتاجه من دعم نفسي وعاطفي، فهذا هو احتياجها ايضاً، فهي تفهم ليس فقط كلامها بل حركاتها ولغة جسدها ايضاً، فمن اهم احتياجات للمرأة وقت الالم والحزن هو من يسمعها ويرعاها ويتفاعل معها بالحديث ويشعر بما تشعر به ولا يستخف بمشاعرها، بل يقدم لها ذلك الدعم الذي تحتاجه في جو من الامان والتعضيد.
بطبيعة المرأة عندما تتكلم وتعبر عما بداخلها تعطي تفاصيل دقيقة جدا وتتطرق لاحداث خارج القصة التي ترويها أيضاً، فتتحدث عن جميع مجريات الامور حتى الصغيرة منها، ذلك لانها تفصيلية تهتم للتفاصيل حتى تبني صورة واضحة لقصتها التي اختبرتها، وهذا من مكونات شخصيتها التي خلقها الله عليها.
لكن طبيعة الرجل مختلفة الى حد كبير، فهو يهتم بالنقاط الرئيسية والمهمة لفهم مجريات القصة، وينظر الى الصورة العامة دون التدقيق في التفاصيل لانه يعتبرها ذات اهمية قليلة، ويهمه معرفة نهاية القصة او هل حلت المشكلة وانتهت وليس كيف حلت المشكلة، فالنظرة العامة تكفيه، وبسبب هذا الاختلاف بين هو وهي؛ يفضل هي أن تكون صديقة ومساندة لها بوقت الالم لأنها ستسمع وتفهم أكثر لها، ويكون لها القدرة على الاستماع لصديقتها لوقت اطول وبالتالي تخفف من ألمها وتطفئ نار بركانها الثائر.
إن كل ما تحتاجه المرأة وقت الالم هو من يخفف من ألمها؛ بالتعويض عن الألم بالشفاء، ويتم الشفاء من خلال ثلاث امور رئيسية: الاولى التواجد معها واعطائها الحنان، وهذا ما يسمى خدمة التواجد، وهو قضاء الوقت الكافي مع الشخص المتألم حتى يقدم له العزاء والشفاء. أما الثانية الاستماع لها حتى لفترات طويلة، فإننا عندما نجعلها تتكلم، فهذا يمتص من نارها المتقدة، ويجعلها تهدأ وتفكر، وتعبر عن ألمها بطريقة صحية، ويفضل عدم المقاطعة حتى لو كان حديثها غير مجدي او سخيف، وكثيرون يقومون في مرحلة الاستماع بتقديم النصائح وعدم قبول حديث المتألمة، ومحاولة ارشادها وكبت مشاعرها بهدف المساعدة، وهذا سيء للغاية، لان الاستماع أفضل من اعطاء المشورة او املاء الشخص بأفكار وحلول للمشكلة التي تواجهها.
الثالثة هي تحتاج أن تفهم وتصدق؛ بغض النظر عن مسبب الالم فهي لا تحتاج الى من يقول لها كلمات كبت للمشاعر او احتباسها مثل: ” خلص انسي، مش حرزانة، لشو مكبرة القصة، علشو هيك بتبكي او بس هبل… شوفي فلانة صار معها مشكلة وألم أكبر من مشكلتك وألم… الخ، بل هي تحتاج الى من يشجعها على التعبير وإطلاق العنان لمشاعرها المجروحة والمتألمة مثل: ” اللي بتحسي فيه كثير صعب، اكيد هذا شيء مؤلم، الله يعينك، هذا الم فوق حد الاحتمال. صعب جداً… الخ، ويجب احتضانها وقت البكاء وتركها تبكي وتعبر عن المها دون كبتها، لان هذا يساعد على شفائها ويدل على تفهمها لها.
وأخيرا حتى تكوني صديقة حقيقية تذكري أن دور الصديقة وقت الالم مستمد من أحرف كلمة صديقة:
ص: صدق بالكلام والتفكير والتعامل، والامانة بالمحافظة على سر صديقنك
د: دائما متواجدة لتسندي وتشجعي وتخففي من الم صديقتك
ي: يداك تلمسها لتعطيها حنان وحب ودفئ
ق: قللي من كلامك واستمعي أكثر
ة: تصلي دائماً معها ولاجلها حتى تضعيها بين يد الله القدير