رحلة الإيمان المستمرة: التغلب على التحديات عبر السنين!

هل كان من السهل بدء كلية للكتاب المقدس من نقطة الصفر، وبناءها لتكون واحدة من أهم المؤسسات التعليمية المسيحية في المنطقة؟ ما نوع التحديات التي واجهناها ككلية بيت لحم للكتاب المقدس؟ كيف تمكنا من التغلب عليها؟ لقد عشنا انتفاضتين، وعدة حروب على غزة، ونقص في الموارد المادية، وزيادة الهجرة، وأكثر من ذلك بكثير. فكيف نجونا؟

يُجيب الدكتور بشارة عوض، مؤسس الكلية قائلا: “لقد كان الله أميناً معنا”.

 

تحديات البداية

بوجهه الهادئ وتجاعيد الحكمة وعيونه العميقة، يتذكر الدكتور بشارة بدايتنا والتحديات التي واجهناها في ذلك الوقت:

“قبل أن نبدأ الكلية، تحدثت مع جميع قادة الكنائس في منطقة بيت لحم. شاركت معهم فكرتي عن بدء معهد لاهوت، وأنشأنا مجلس أمناء يضم ممثلين عن جميع الكنائس في بيت لحم. ومع ذلك، فقد واجهنا تحديا كبيرا في إقناع المجتمع بأننا لسنا شهود يهوه. استغرق الأمر منا بعض الوقت لنثبت للكنائس الأخرى وللمجتمع بأننا نعلّم المعتقدات المسيحية الصحيحة.”

ويضيف: “عندما بدأنا الكلية عام 1979، كان التحدي الأكبر أمامنا هو العثور على معلمين جيدين ومؤهلين، وخاصة معلمين عرب يحملون شهادات لاهوتية. لم نتمكن من العثور على أحد، لذلك، طلبنا المساعدة من المبشرين الذين كانوا في المدينة لتعليم طلابنا، وقد وافقوا بكل سعادة وبدون أي مقابل.”

كانت أحد التحديات الكبرى التي واجهتها الكلية في بدايتها هو تقرير ما إذا كنا مدرسة لاهوتية أو مدرسة كتاب مقدس. وتقرر أننا مدرسة للكتاب المقدس، والسبب هو أننا لا نريد أن نعلم لاهوتًا محددًا، لكننا أردنا أن نكون كلية غير طائفية لجميع الكنائس والمؤمنين.

ذكر الدكتور بشارة تحديًا آخر واجهته الكلية، وهو هجرة المسيحيين الفلسطينيين. “في السابق كان الطلاب يذهبون إلى الولايات المتحدة للدراسة، ولا يعودوا أبدًا؛ لكن الآن عائلات بأكملها تغادر إلى بلدان أخرى. إن أكبر إنجازاتنا ككلية كتاب مقدس هو أن 90٪ من خريجينا ما زالوا يعيشون ويعملون في فلسطين”.

 

التحديات السياسية

كونها كلية تقع في بيت لحم، فلسطين، كان الوضع السياسي غير المستقر تحديا كبيرا. كان السؤال بالنسبة لنا كمؤمنين مسيحيين هو ما الذي يمكننا أن نفعله في مثل هذه الحالة بالإضافة إلى الصلاة؟

واجهت الكلية الانتفاضتين. الانتفاضة الأولى، 1987-1993، والثانية 2000-2005. يتذكر الدكتور بشارة هذا الوقت:

“في الانتفاضة الأولى، اعتقل الجيش الإسرائيلي بعض طلابنا وأعضاء من هيئة التدريس. كان هناك حظر للتجول، ولم نكن نعرف ما الذي يجب فعله فيما يتعلق بالفصول الدراسية، لذلك استخدمنا مرافق دير في القدس يدعى تنطور لمدة ستة أشهر. عندما علم الجيش الإسرائيلي بذلك، طلبوا من إدارة الدير التوقف عن قبول طلابنا لديهم. رفضت الإدارة وقالت: “نحن نقبل الطلاب من جميع أنحاء العالم! لماذا يجب أن نتوقف عن قبول الفلسطينيين؟”

يتذكر الجميع في الكلية الانتفاضة الثانية بالتفصيل. خلال ذلك الوقت، فقدنا الكثير من أعضاء هيئة التدريس الدوليين. كان الأمر خطيرًا للغاية، وطلبت منهم إدارة الكلية المغادرة خوفاً على حياتهم! قال الدكتور بشارة إن الكلية كانت في خطر الإغلاق خلال تلك الفترة لأن الوضع كان سيئًا بالفعل، لكننا تابعنا حتى في خضم المعاناة.

تحدث الدكتور يوحنا كتناشو والدكتور سليم منير، اثنان من عمداء الكلية الأكاديميين السابقين لدينا، عن هذا الوقت العصيب من الانتفاضة:

“كنا نذهب للعمل بينما كانت الدبابات الإسرائيلية تقف خارج الكلية. كنا ندرس تحت تهديد كبير. كانت الرصاصة تحلق في الهواء، وقد أحببنا حقًا خدمة يسوع حتى لو كان ذلك يعني تعريض حياتنا وعائلاتنا للخطر”.

اتفق غابرييل حنا، مدير دائرة الإعلام السابق، على أن زمن الانتفاضة كان هو الأقسى على القسم.

كما أضافت سمر حدور، سكرتيرنا المحبوبة:  “إن التحدي الأكبر الذي واجهني كموظفة لأكثر من 17 عامًا هو عيش الانتفاضة الثانية. أتذكر أنني كنت آتي للعمل في الصباح وأُجبر على المغادرة سريعًا بسبب حظر التجول. لقد عشنا في خوف حقيقي على حياتنا. كان وقتا عصيبا للغاية.”

تتذكر نسرين نصار، المساعد الشخصي للقس جاك ذلك الوقت: “اعتدنا أن نلتقي بالجنود والدبابات الإسرائيلية في طريقنا إلى العمل، ولم نكن نعرف ماذا كان يخبئ المستقبل لنا أو للكلية! أتذكر أن الدكتور بشارة كان يطمئننا قائلا بأننا خدام الله؛ نحن بين يديه، ولن يصيبنا أي ضرر”.

كانت تجربة هالة غنيم، مديرة المكتبة، مشابهة: “لم يُسمح للكتب بدخول المنطقة بسبب الوضع السياسي، حتى عام 1995، حيث أصبح من السهل استيراد الكتب من مصر ولبنان.”

منى نور، عاملة اجتماعية في جمعية الراعي، تذكرت تلك الأوقات: “في الانتفاضة الثانية، فقد الناس وظائفهم، وأغلقت المصانع، ولم يتمكن الأشخاص الذين كانوا يعملون مع المنظمات غير الحكومية وغيرها من الشركات من الوصول إلى وظائفهم بسبب حظر التجول. نتيجة لذلك، ازداد عملنا كأداة مساعدة للكلية. كان الناس في حاجة إلى المال لإعالة أسرهم، وكانوا يأتون إلينا. نحن أيضًا كنا بحاجة إلى أموال أكثر من السابق لمساعدة أكبر عدد ممكن من الناس، وأتذكر أنني رأيت جميع احتياجاتنا توفر من الله. لقد ساعدنا كل من طرق بابنا خلال هذا الوقت العصيب الذي كانت تواجهه بلادنا.”

 

التحديات المادية

لم تكن التحديات المادية مصدر قلق كبير بالنسبة للدكتور بشارة: “لقد وفر الله احتياجاتنا بطرق معجزية في كل مرة. في البداية، انتقلنا كثيرًا من مكان إلى آخر. كنا بحاجة إلى المال لأجل ذلك؛ لكننا كنا نؤمن دائمًا بأن الكلية كانت من أجل الرب، وسوف يوفر الرب جميع احتياجاتنا”.

أكدت نسرين كلماته قائلة: “رأيت الكلية وهي تُبنى حجراً على حجر. لم يكن الأمر سهلاً. كنا بحاجة إلى الكثير من المال لبناء المباني التي لدينا الآن، ولقد شهدت كل هذا. لقد شهدت إخلاص الله على مر السنين، وكيف وفّر لنا كل ما نحتاجه”.

وينتهي الدكتور بشارة والفخر في عينيه: “أشكر الله على القس الدكتور جاك سارة، الرئيس الحالي للكلية، لقبوله منصب قيادة الكلية، وعلى عمله الجاد من أجل الكلية. رسالتي له هي الاستمرار. استمر في فعل ما فعلناه دائمًا من خلال الوثوق بالرب لتوفير احتياجات الكلية، والحفاظ على كوننا الملح والنور للمجتمع بأسره”.

واجهت الكلية العديد من التحديات، لكننا وقفنا جنبًا إلى جنب معا بقلب وروح واحدة واثقين بالرب وبقيادتنا. وها نحن هنا الآن. أقوياء. نؤثر على المجتمع ونرسل قادة مسيحيين إلى العالم!

ولا تزال التحديات السياسية والمالية والاجتماعية موجودة. لم تتغير الظروف كثيرا. وما زلنا نواجه صعوبات يوميًا، لكننا واجهناها لمدة 40 عامًا، وتغلبنا عليها. ومع الله إلى جانبنا، يمكننا أن نتغلب عليها مرة أخرى.