البيئة ولاهوت نهاية الأيام في السياق الفلسطيني

بقلم يوســف الخــوري

في الصباح الباكر يقوم بعض المزارعين الفلسطينين لحقولهم ليجدوها مدمرة. فإما قد أضرمت النار فيها من قبل المستوطنين أو أن الجيش الإسرائيلي قام بإقتلاع أشجارهم سعياً للسيطرة على الأرض. كذلك الحال في غزة، إن إسرائيل التي تسيطر على كافة الموارد الفلسطينية وتمنع وصل الكهرباء بشكل مناسب لغزة مما تسبب بأن يتخلص الناس من مخلفاتهم الطبيعية في البحر، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى تدمير الثروة البيئية والسمكية. ليس على هذا النحو فقط، بل من المؤلم أن شعبنا الفلسطيني بشكل خاص يفتقد لثقافة الإهتمام بالبيئة، حتى من جهة أساليب المقاومة اللاعنفية التي يستخدمها الفلسطينين في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، يقوم المقاومين الفلسطينين –العسكرين والمدنيين- بإشعال إطارات السيارات في مواجهة قوى الجيش. مع كل هذا، نجد أن من النادر الحديث عن قضية البيئة، والأكثر إيلاماً أن الكنيسة الفلسطينية لا تناقشها من ناحية لاهوتيه. من هنا جاءت فكرة هذا المقال الذي سوف يناقش دور اللاهوت المسيحي من جهة البيئة وكيف يرتبط ذلك في الصراع اللاهوتي مع المسيحية الصهيونية، وفي النهاية سوف يستعرض أفكار ومقترحات للدور فعال للكنيسة الفلسطينية في هذا الأمر.

في بدأ خلق الله السماوات والأرض وكل ما فيها ورأى الخليقة حسنةٌ جداً (تكوين الإصحاح الأول). كذلك خلق الله الإنسان على صورته ومثاله وقد أعطاه الأرض كهبة وأوصاه برعايتها (تكوين 1: 28-30). بناءاً على ذلك، فإن الله قد إستأمن الإنسان على الخليقة. بهذا، فإن رعاية الخليقة هي مسؤولية الإنسان ومصيرها من مصيره. عندما سقط الإنسان في الخطية لُعنت الأرض بسبب ذلك، فتغيرت صورتها وطبيعتها كما إنكسرت صورة الإنسان و تغيرت طبيعته من الكمال إلى السقوط، إلا أن وصية الله لم تسقط. أي أن وصية الله للأنسان بأن يرعي ويحفظ الخليقة لازلت فعالة وتستقضي الإيفاء. إن أي تقصير بهذا الإتجاه يعني كسر لوصية الله الأولى. لكن بواقع الحال، نشهد ومنذ السقوط حتى يومنا هذا تقاعس من الجنس البشري في تحمل مسؤولياته إتجاه البيئة المحيطة به، بل ومخالفة هذه الوصية بتدمير خليقة الله الحسنة من أشجار وحيوانات ومصادر طبيعية قد أوجدها الله لأجل الإنسان. كنتيجة لذلك، فإن أخطار طبيعية عظيمة تحدق بالعالم، مثال ذلك تغيير المناخ والإحتباس الحراري.

لعل علاقة الإنسان في البيئة ومسؤوليته إتجاهها من الأمور التي لا يتم التعليم عنها في الكنيسة إلا في حالات نادرة جداً, ومن المُحزن أنه لا يتم مناقشتها على مستوى ثقافي وإجتماعي. إلا أنه في بعض الكنائس ولاهوتها المتعلق بنهاية الأيام قد نجد جواباً للسؤال، ما الذي يجعل بعض الكنائس والمسيحين لا يهتمون في البيئة والقضايا البيئية؟ وكيف ينعكس ذلك في واقع الصراع اللاهوتي الفلسطيني الإسرائيلي حول لاهوت نهاية الأيام؟

إن الإيمان المسيحي بشكل عام يستند على فكرة التجديد، أي أن الله سوف يجدد الإنسان في نهاية الأيام ويعيده للصورة الأصلية التي خلق عليها. بمعني أن الإنسان سوف يتجدد عن صورة الخطية والإنكسار، وبذلك يعود للصورة الأولى، أي بلا خطية وبشكل أبدي. وهذا الإعتقاد يتمحور حول مركزية الإنسانanthropocentric  في الخلاص دون غيره. لكن ما ينقص ذلك، هو الإيمان بأن الله سوف يجدد الخليقة أيضاً. كما قلت سابقاً، مصير الأرض متعلق بمصير الإنسان. فكما سيتجدد الإنسان، كذلك سوف تجدد الأرض. لكن هناك بعض الإراء والمعتقدات اللاهوتية حول نهاية الأيام التي ترى أن الله سوف يدمر العالم بشكل كامل، وبأن الكنيسة سنتنقل إلى السماء. هذه اللاهوت يستند على فكرة أن كل ما هي أرضي ومادي فهو فاسد، وأن الكنيسة والمسيحين ذات كينونة سماوية يجب ألا ترتبط بالعالم الأرضي. وبذلك فإن العالم بما فيه سيفنى في النهاية.

في البداية وجب توضيح أن بعض هذه المعتقدات اللاهوتية حول نهاية الأيام تتمحور حول فكرة العالم الأخر “Otherworldly eschatology” أو لاهوت نهاية الأيام اللأرضي “Unearthly Eschatology“.[i] فالكثير من المسيحين، وبخاصة الإنجيلين، يعتقدون بأن العالم بشكله الحالي والمادي سوف ينتهي وأن الكنيسة سيتم أختطافها إلى السماء “الوطن البديل”. ولعل من أوضح الصور على ذلك هي ترنيمة “أنا ذاهب إلى السماء أنا ذاهب.” حيث تصور هذه الترنيمة المسيحية الإنجيلية السماء كمهرب وموطن بديل عن الأرض. بذلك، إن الإنسان المسيحي يجب ألا يرتبط بهذه الأرض بل أن ينتظر زمن الإنتقال. كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة، فإن المسيحين يفقدون إهتمامهم بالحفاظ على الأرض والبيئة. في الحقيقة، إن جذور هذا الإعتقاد تأتي من فكرة فساد العالم والمادة. وهذا ليس بأمر جديد على المسيحية. فالهرطقة الأغنوسية بلورت وجهة النظر هذه، حتى أن أوريجانوس –أحد أباء الكنيسة- قد تمسك بهذه الفكرة.[ii] ومن جهة مشابهة، فإن سلسة أفلام “الإختطاف Left Behind” قد أثرت في الكنيسة الإنجيلية وثبتت الإعتقاد بأن العالم الحالي سوف ينتهي وأن الكنيسة ستختطف. إن أي نظرة مدققة في هذا الفكر اللاهوتي حول نهاية الأيام تجد أرتباط متأصل في الأفكار اللاهوتية للمسيحية الصهيونية التي تعتمد بشكل أساسي على العقيدة القبل ألفية من لاهوت نهاية الأيامDispensational Premillennialism . فإن أحد المراجع الرئيسية للفكر الصهيوني تعتمد على “الإزدواجية”، أي الفصل وجود كيانين منفصلين أحدهما أرضي والأخر سماوي. لذا، فمؤيدين المسيحية الصهيونية يدعون بأن لا تهتم الكنيسة بالأرض لأنه ميراثها سماوي.

في المقابل لهذا الفكر، نجد أن أباء الكنيسة رفضوا النظرة الإزدواجية الغانوسية التي لأورجانوس. على سبيل المثال، أرينيوس وأغسطينوس قد أنقدوا أورجانوس، حيث أنهم دافعوا عن فكرة أن العالم المادي ليس شريراً في جوهره، كما أن العالم لن يحترق ويتدمر في نهاية الأيام.[iii] إن الكنيسة في القرن الثاني الميلادي رفضت الفكر الغنوسي الذي يعتبر المادة شريرة، كما أن أرينيوس كتب مجلداً لمواجهة هذه الهرطقة تحت عنوان “ضد الهرطقات “.Against Heresies وفي وقتنا الحالي يجتهد العديد من اللاهوتين حول العالم في إعادة بناء لاهوت شامل لنهاية الأيام Holistic Eschatology بحيث يعيد إلى الواجهة قضية الخلاص الشامل للإنسان والعالم. من ناحية كتابية يتستند العديد من اللاهوتين على رسالة الرسول بولس لأهل رومية الإصحاح الثامن. فيقول الرسول بولس “لان انتظار الخليقة يتوقع استعلان ابناء الله. اذ اخضعت الخليقة للبطل ­ ليس طوعا، بل من اجل الذي اخضعها ­ على الرجاء. لأن الخليقة نفسها ايضا ستعتق من عبودية الفساد الى حرية مجد اولاد الله. فاننا نعلم ان كل الخليقة تئن وتتمخض معا الى الان.” (رومية 8: 19-22) بمعني أخر كما يوضح الرسول بولس، إن الخليقة أيضاً تنتظر الخلاص والتجديد. ينتقش اللاهوتي الفلسطيني منذر أسحق هذه الأيات بإسهاب، حيث إنه يؤكد أن الخلاص يشمل الخليقة كلها، الإنسان والعالم.[iv]  فيوضح أنه كما أن الإنسان سوف يخلص من الناحية الجسدية بتجديد الإجساد، سوف تتجدد الخليقة أيضاً.[v] إن لاهوت الأرض الفلسطيني بشكل عام يرى أن أهمية لفكرة تجديد وقُدسية الأرض كخليقة الله لا دمارها، وذلك بما يتوافق مع الفكر الكتابي والعقيدة اليهودية في العهد القديم التي تشدد على تجديد الخليقة في نهاية الأيام. وبذلك يقف اللاهوت الفلسطيني بخلاف الفكر المسيحي الصهيوني الذي يدعي أن الإنسان المسيحي لا يجوز أن يرتبط بالأرض لأنها فانية. فاللاهوت الفلسطيني يدلل من الكتاب المقدس على أرتباط الإنسان في الأرض وشرط القدسية في علاقة الإنسان مع الله والأرض. فملكوت الله سوف يمتد على الأرض. إن الصلاة الربانية دليلاً جازماً على ذلك حيث يصلي المسيحين “ليأت ملكوتك، كما في السماء كذلك على الأرض” (متى 6: 10). وأيضاً، في التطويبات يعد السيد المسيح الودعاء بأن يرثوا الأرض (متى 5: 5). والعديد من الأيات الأخرى في الكتاب المقدس تؤكد على ميراث المؤمنين للأرض من خلال الإيمان بالسيد المسيح. بناءاً على ذلك، فإن الأرض والبيئة لازالتا أمراً مهماً في الإيمان المسيحي حتى يومنا هذا ويتطلب من المؤمنين أن يعتنوا ويرعوا الأرض التي هي عطية وميراث الله لهم.

الإنعكاس على الواقع الفلسطيني والتداخل مع الفكر المسيحي الصهيوني

لقد تم في السابق إيضاح الإرتباط بين الفكر المسيحي الصهيوني ولاهوت نهاية الأيام من جهة، وعلاقته في الأرض والبيئة من جهة أخرى. إن الواقع الفلسطيني البيئي المحزن يظهر بما لا شك به دور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في قضية الإهتمام في البيئة. فإن إسرائيل تمتهن تدمير الأرض الفلسطينية والسيطرة على مصادرها الطبيعية بما يؤثر بشكل سلبي على البيئة الفلسطينية. فالفكر المسيحي الصهيوني الذي يتجاهل أهمية الأرض للإنسان المسيحي الفلسطيني بشكل خاص يشدد على أن الأرض هي ملك لإسرائيل والشعب اليهودي، بينما المسيحيين فهم ذو جنسية سماوية ينبغي ألا يهتموا بالأرض. بل أن يتركوها ويتنظروا هُجرانها إلى السماء. لذلك نشهد تجاهل أصحاب هذا الفكر للمأساة البيئية الفلسطينية. ومن المؤسف أن نرى أن بعض المسيحيين الفلسطينين قد أعتنقوا هذا الفكر بشكل عفوي. فيبتعدون عن مناقشة قضية الأرض وأهميتها الكتابية أو التاريخية. لذا أستوجب أقتراح بعض النقاط:

أولاً، على الكنيسة الفلسطينية بشكل عام والإنجيلية بشكل خاص إعادة التفكير في لاهوت نهاية الأيام والسعي بإخلاص لبناء لاهوت فلسطيني بيئي شامل يستند على فكرة الخلاص للإنسان والأرض. فعلى الكنيسة أخذ في عين الأعتبار الإبتعاد عن التعاليم التي قد تفصل الإنسان عن محيطه البيئي وتقوقعه في دائرة الخلاص الفردي.

ثانياً، إن قضية الأرض والبيئة هم جزء لا يتجزأ من الإرسالية الإلهية. فالله قد إئتمن الإنسان على الأرض وقد أوصاه برعايتها. لذا يتسوجب على الكنيسة أن تتبنى فكر إرسالي إتجاه البيئة الفلسطينية من خلال الوعظ وتطوير برامج توعوية تهتم في المشاكل البيئية. فإن الكنيسة مرسلة لخلاص الإنسان والعالم. ومن الإقتراحات العملية لذلك هو البدأ بتنظيم دورات وفعاليات توضح للمؤمنين والمجتمع أهمية إعادة التدوير للمخلفات والتقليل من إستخدام المواد التي تضر البيئة.

ثالثاً، إن من واجب الكنيسة الأخلاقي والنبوي أن تقف في وجه الظلم السياسي والبيئي التي تنتهجه إسرائيل إتجاه الأراضي الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

رابعاً، إن من واجب الكنيسة السعي للحفاظ على البيئة التي قد خلقها الله لخير الإنسان، فمصير الأجيال القادمة متوقف على الدور الذي يمارسه أولاد الله في حماية البيئة والعالم.  لذا قد يكون من المفيد والضروري، أن نعلم الأجيال المستقبلية حول البيئة وأهمية الإعتناء بها في مدارس الأحد والمدارس المسيحية.

 

في النهاية، إن الخليقة والبيئة هم عطية الله الصالحة للإنسان، فالله كلي القداسة لا يخلق عالم فاسد، إنما الإنسان بسبب خطيته أفسد العالم. إن إرسالية الله منذ البدء هي تجديد العالم وإنقاذ البيئة من الدمار. إن ما نشهده في واقعا الفلسطيني من دمار للبيئة يستدعينا لأن نقف ونفكر في معتقداتنا اللاهوتية التي قد تتناقض مع فكر الله إتجاه البيئة. إن واجبنا ككنيسة أن نكون الحارس والوارث الأمين لعطية الله، وأن نُعلي صوتنا النبوي في مواجهة الظلم الواقع على الإنسان والبيئة.

[i]Ahn, Ilsup. “DECONSTRUCTING ESCHATOLOGICAL VIOLENCE AGAINST ECOLOGY: PLANTING IMAGES OF ECOLOGICAL JUSTICE.” Cross Currents 67, no. 2 (June 2017): 458-475. ATLA Religion Database with ATLASerials, EBSCOhost (accessed September 14, 2018). ترجمة الكاتب

[ii] Ibid.

[iii] Cited in Phan, Peter C., “Eschatology and Ecology: The Environment in the End-Times,” p. 107.

[iv] Isaac, Munter. “From Land to Lands, From Eden to the Renewed Earth.” Cumbria, UK: Langham, 2015. p. 336

[v]  Ibid, 336

لا يمثل محتوى هذا المقال بالضرورة آراء ومعتقدات كلية بيت لحم للكتاب المقدس