القس الدكتور جاك سارة: من طالب إلى قائد

كنت أسير قبل أسبوعين في أزقة أحد المباني القديمة في كلية بيت لحم للكتاب المقدس، وكان معي بعض زملائي. كنا نتحقق من المبنى من أجل مشروع ترميم جديد نأمل في القيام به من أجل الاستفادة أكثر من المساحة واستخدامها بشكل أفضل في خدمتنا.

وبينما واصل زملائي التجوال في الغرف والقاعات، توقفت وجلست على كرسي كان في الغرفة التي أخذت فيها محاضرتي الأولى من دراستي عندما كنت طالبا في الفترة 1991-1994. وسرحت في عالم من ذكريات الحنين لزملائي في ذلك الصف: سامي، منال، سلوى، ديانا، صخر، جهاد، سهيل، نجيب، سامي وغيرهم. وتذكرت أساتذتي المدهشين: القس نهاد وأندرو وكاي وليندل ولورا وسليم وديفيد والكثير غيرهم. كانت غرفة الطعام قريبة جدًا من الفصول الدراسية، وكان بإمكاننا دائما أن نشم رائحة طهي أم رجا وهو يتسلل إلى الفصول الدراسية مما يجعلنا أكثر من مستعدين للقفز إلى قاعة الطعام فور انتهاء المحاضرة والتهام كل شيء صنعته لمجتمع كلية بيت لحم للكتاب المقدس –والذي هو بالتأكيد مجتمع مدهش. فكان الطلاب يقومون بالتناوب على تنظيف الأطباق داخل المطبخ بشكل يومي.

لقد التحقت بكلية بيت لحم للكتاب المقدس بعد فترة وجيزة من تكريس حياتي للمسيح. لقد قررت أن أتبعه وأن أكون تلميذا له؛ وكان ذلك من خلال قادة شباب تقيين في كنيسة الاتحاد بالقدس، إذ لمس الله حياتي، وأعطاني الفرصة لقبول دعوته لأكون تابعا حقيقيا له. في وقت مبكر من خطواتي الصغيرة في الايمان، كنت أرغب في دراسة كلمته ومعرفته أكثر. لذا جئت إلى كلية بيت لحم للكتاب المقدس لتعميق حياتي فيه. لقد كان القادة هنا رجالًا ونساءً رائعين في المسيح، والذين استخدمهم الله بشكل كبير في التأثير على حياتي.

 

لا يمكنني أن أنسى كيف أنه في كل مرة كنت أمر بها في محنة أو كنت أواجه فيها تحديًا معينًا في حياتي الشخصية، كان الدكتور بشارة أو أحد مدرسينا يجلس ويصلي معي بشأن هذه القضايا. جعلت الكلية مني تلميذاً للمسيح، شخصا أحب يسوع وكلمته وشعبه وغُرس الشغف في قلبي لخدمته بكل طريقة ممكنة. كان الروح القدس يعمل في حياتي من خلال الصفوف الدراسية ويدينني بالأشياء التي يجب علي تغييرها. كان ذلك في احدى الفصول الدراسية وفي محاضرة معينة عن القيادة، حين شعرت بوضوح بدعوة الله لحياتي لأن أكون في خدمة بدوام كامل. لقد بدأت دراستي في كلية بيت لحم للكتاب المقدس دون توجيه ودون دعوة حقيقية لعمل الملكوت، ولكن قد تغيرت هذه الأشياء في حياتي وخصوصًا خلال عامي الثالث في كلية بيت لحم للكتاب المقدس. إذ أدركت حينها بوضوح ما كان الله يدعوني للقيام به كخادم في الخدمة الرعوية.

إلى جانب كل التغيير الذي كان يحدث في حياتي، فقد بدأت هناك في التعمق في كلمة الله لفهمها بشكل أفضل، ولكي أكون قادرًا على تعليمها للآخرين بنزاهة. كانت هذه بالتأكيد هي الوسيلة الرئيسية التي شكلت بها الكلية حياتي وحياة طلبة آخرين يشابهونني بالتفكير. لقد أصبح العديد من زملائي في الصف وغيرهم ممن سبقوني قساوسة رعويين وقادة في أماكن عديدة مختلفة. ومن المؤكد أن كنيستي قد أدركت ما كان يحدث لي وقد شجعتني على أخذ أدوار قيادية بقدرات مختلفة منها قائدا للشباب وقائد عبادة والتبشير من المنبر. وبينما أدركت أنا أيضًا نداء الله لحياتي، شجعتني كنيستي وقادة كلية بيت لحم للكتاب المقدس على مواصلة التعليم العالي. كان ذلك في عام 1994. وبدعم من مجتمع كنيستي وبعض من كلية بيت لحم للكتاب المقدس، تمكنت من السفر إلى الفلبين والتسجيل في برنامج الماجستير في اللاهوت، والذي استغرقني أكثر من ثلاث سنوات حتى أنهيته. بعد التخرج، عدت إلى فلسطين وفتحت كنيستي والكلية الأبواب أمامي للخدمة الرعوية والتدريس، مما أدى بي إلى القيام بدور رعوي بدوام كامل في كنيستي بالقدس، والتدريس بدوام جزئي في كلية بيت لحم للكتاب المقدس، بمعدل مادتين في كل فصل دراسي مع التركيز على الحياة الروحية والأخلاق المسيحية والخدمة العملية.

لا أستطيع أن أتخيل أين كانت حياتي لتكون لو لم أنضم لكلية بيت لحم للكتاب المقدس. هل سأكون في الخدمة الآن؟ هل كنت لأنجز العديد من الأشياء التي استخدمني الله لإنجازها دون التدريب الذي تلقيته في كلية بيت لحم للكتاب المقدس؟ بصراحة، ربما لا! كانت حياتي ستتخذ مسارًا وطريقا مختلفين. لكن يسوع يعرف ما كان وما هو الأفضل لحياتي، وكان ذلك بالتأكيد يبدأ بمسيرتي مع المسيح في كلية بيت لحم للكتاب المقدس.

لا يسعني إلا أن أقف في رهبة أمام حب الله المدهش ورحمته التي منحها لي طوال حياتي، والدعوة التي أعطاني إياها لاتباعه ولأن أصبح طالبًا لكلمته في كلية بيت لحم للكتاب المقدس. والآن بنعمته قد أتاح لي الفرصة لقيادة نفس الكلية التي جعلتني من أنا الآن. كل المجد يعود إلى يسوع.