كورونا – فلويد – الحلاق – يوم الخمسين بقلم القس الدكتور منذر اسحق

كان هذا الأحدُ الأحدَ الأول منذ اثني عشر أحدًا والذي نلتقي فيه ككنسية معًا في الجسد، وذلك بعد انتهاء فترة حظر التجمعات للحد من انتشار وباء الكورونا في فلسطين. وقد صادف هذا الأحد يوم العنصرة، اليوم الذي نحيي فيه ذكرى حلول الروح القدس على التلاميذ وانطلاق كنيسة القدس – أمّ الكنائس.

كان يجب أن تكون مناسبة لنقدم الشكر فيها لله على مراحمه علينا. وهو ما قمنا به. ولكن لم يكن بالإمكان أبدًا أن نتناسى ما يحصل في عالمنا اليوم بشكل عام، وأرضنا بشكل خاص. فالأحداث الأخيرة أطلت بظلالها علينا. كثُر الحديث عن عالم ما بعد الكورونا. وإن كانت أحداث هذا الأسبوع مؤشرًا على عالم ما بعد الكورونا، فأعتقد أن الدلالات حزينة جدًا.

اليوم قلبي حزين جدًا. خرجنا من الحجر الصحيّ، ولكننا تذكرنا في الأسبوع الماضي وبأبشع الطرق أن فايروس الكورونا ليس الوباء الأخطر على البشرية، فهناك ما هو أخطر وأبشع جدًا من الكورونا. هناك العنصريّة، وهناك الاحتلال، وهناك أنواع كثيرة من الظلم والقهر.

هناك جورج فلويد، أمريكي من أصول افريقية، تم قتله بطريقة بشعة من شرطيّ أبيض. لم يشكل جورج خطرًا أو تهديدًا. ما كان يجب أن يُقتل. صرخ مستنجدًا: “لا أستطيع التنفس”. ورغم نداءات الرحمة منه ومن المارة، لم يستجب أحد، وكأن حياته لا قيمة لها. قد تكون حياته لا قيمة لها للبعض، ولكنها ثمينة جدًا عند الله.

رأيناه كفلسطينيين، وتعاطفنا معه بشدة. تجربته مألوفة لنا، حرفيًّا ورمزيًّا. حرفيًّا، من حيث أسلوب الاعتقال بالضغط على الرقبة، وقد انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي الكثير من الصور لجنود إسرائيليين يعتقلون أطفالاً ونساءً ورجالاً فلسطينيين بنفس الطريقة، وقام بعض الفنانين برسم صور معبرة تظهر المشهدين معًا.

ورمزيًّا، لأننا نحن أيضًا “لا نستطيع أن نتنفس.” الجدار والمستعمرات والحواجز تخنقنا. أخذوا منا الأرض والماء والهواء، وبطمع يريدون المزيد – فالقوي، مدعوم بقيصر البيت الأبيض، يصنع القانون وهو الحاكم والجلاد.

وفي يومين، كان هناك حادثين مؤلمين. فادي سمارة، أب لخمسة أطفال، قتل بجنود الاحتلال قرب النبي صالح، بحجة محاولة دهس، رغم إنكار شهود العيان. لم أستطع إلا أن أفكر بـأن هذا قد يكون مصيري يومًا على هذه الحواجز إن أسأتُ فهم إشارة جندي الاحتلال عند إيقافي. نعم، حياتنا رخيصة بالنسبة للجنود الإسرائيليين على الحواجز. هذا هو الواقع. ولكنها ثمينة جدًا عند الله. لا يمكن أن ننسى هذا.

وبالأمس اعتصرت قلوبًا ألمًا على الشاب إياد الحلاق، ابن ال 32 عامًا، والمصاب بالتوحد، والذي قُتل دون مبرّر أو رحمة – ما كان يجب أن يموت. هذه قسوة الاحتلال. تأخذ حياتنا وتجرّدهم من إنسانيتهم.

وطبعًا، لن ننتظر من الاحتلال تحقيق العدالة. فكم من فلسطينيّ قُتل دون حساب. حياتنا رخيصة لهم. ولكنها ثمينة جدًا عند الله… لا يمكن أن ننسى هذا.

وأريد أن أنوه إلى نوع آخر من الجرائم ما زال ينتشر في أرضنا. فهذا الأسبوع قرأنا عن “م.ج.” ابنة الواحد وعشرون عامًا. لم نعرف حتى اسمها، وكأن لا قيمة لها. وصلت إلى مستشفىً في دير البلح في غزة بحالة خطيرة جدًا، وعلى جسدها آثار ضرب وكدمات، وتوفيت هناك، وسبب الوفاة الضرب المبرح في الرأس وأنحاء الجسد. والتقارير الأولية تشير إلى أن والدها هو المسؤول. للبعض، “الشرف” يجعل من حياتها مباحة. ولكنها ثمينة عند الله. لا يمكن أن ننسى ذلك.

هناك ما هو أسوأ وأخطر من الكورونا.

يجب أن نرثي عالمنا اليوم. أرجو ألا تصبح هذه الأمور “اعتيادية”. أرجو ألا نعتاد عليها فنفقد إحساسنا. للرثاء أهميته للإنسان المؤمن بالله. في الكتاب المقدس هناك كتاب كاملٌ عن الرثاء، ومزامير عديدة أيضًا. يجب أن نتألم ونصرخ إلى الله مطالبين بالرحمة والعدل والحق. وأيضًا أن نعمل ما نقدر عليه. يجب أن نقاوم “اعتيادية” هذه الأمور بالنسبة لنا.

للرثاء أهميته، فهو يقودنا لتغيير الواقع الذي نرثيه، ونساهم في خلق واقعٍ أفضل.

هذا الأحد نحتفل بعيد العنصرة: ذكرى تأسيس الكنيسة وحلول الروح القدس. والكنيسة الأولى قدّمت رؤية بديلة لعالمنا المتألم والواقع تحت نير الخطيئة والظلمة. كنيسة نادت بالأخبار السارة أن الله محبة؛ أحب العالم، كل العالم دون تمييز، وأرسل يسوع مخلصًا وفاديًا، ومرشدًا لطريق جديد؛ لحياة أفضل.

وفي يوم الخمسين، نرى القدس بأجمل صورها: عاصمة للشعوب – في صورة مختلفة تمامًا عن القدس التي نعرفها اليوم. فروح الله أزال كل أنواع الحواجز: العرقية أو القومية! فنقرأ عن التنوع الموجود فيها وكيف وحدهم روح الله الواحد:

فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا؟ فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلاَمِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ، وَالرُّومَانِيُّونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاَءُ، كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ، نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ اللهِ!. (أعمال 8:2-11)

وأزال أيضًا الروح القدس كل الحواجز الاجتماعية. هنا أهمية الاقتباس من نبوة يوئيل:

وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا. 18وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. (أعمال 17:2-18)

هنا المساواة والعدالة المطلقة. هنا روح الله الذي لا يميّز، بل يجمّع.

ولا ننسى القيم التي جسدتها الكنيسة الأولى: المشاركة، والاهتمام بالفقير والضعيف. فبعكس فلسفة العالم، شاركوا أملاكهم وما أعطاهم الله. ومنذ بداية الكنيسة، أفرزوا شمامسة للاهتمام بمسحوقي وضعفاء المجتمع. كانت هذه ميّزة الجماعة الأولى.

الكنيسة، جسد المسيح، عروسه، يجب أن تقدم للعالم نموذجًا مختلفًا، وأن تخلق واقعًا مغايرًا لعالمنا، حيث الرحمة، والحق، والمحبة؛ وحيث الحريّة الحقيقية. أحزن عندنا أرى الكنيسة أحيانًا بعيدة عن هذه المثاليات، فتبرّر العنصرية وتبرّأ القوي والغني ولا تفقد الإحساس وتهمل موهبة الرثاء؛ عندنا تهتم بنفسها وتنسى وتهمل محيطها.

وكم أجد العزاء عندنا أرى الكنيسة منشغلة في عمل الملكوت، ملكوت المسيح ابن الله، فتنادي بالحق وتحامي عن الضعيف وتجسّد المساواة. هذه دعوتنا: أن ننادي بالإنجيل، وأن نشهد عن الإنجيل بكلامنا وسلوكنا وخدماتنا.

دعوتنا اليوم ألا نرضى بواقعنا؛ أن نتحلى بالشجاعة وبقوة الروح القدس، وننطلق إلى عالمنا كما الكنيسة الأولى، متحررين من الخوف. وأن ننشر الانجيل جميعًا، ورسالة الانجيل عن إمكانية لعالم أفضل.

دعوتنا أن نصلي من أجل وندعم مؤسساتنا الكنسية وجميع من يعمل من أجل محاربة جميع أنواع التمييز والعنصرية والكراهية، ومن يعمل من أجل الحق والعدل. لنكن ولنساهم بالتغيير الذي نريد أن نراه في عالمنا.