تعرّفوا على طالبتنا من غزة: مرسيل الجلدة

لم أتخيل للحظة أنه بإمكاني الالتحاق بمثل هذا الصرح العلمي العريق، الذي لم يكن لدينا كسكان قطاع غزة أية خلفية عن وجوده. وذلك بسبب سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية والاغلاق المستمر لأكثر من اثني عشر عاما، وقطع العلاقات الداخلية بين أجزاء الوطن. وإنني أُعدّ نفسي من الاشخاص المحظوظين لخوض هذه التجربة العلمية الرائعة بالالتحاق بكلية بيت لحم للكتاب المقدس، والذي حدث بترتيب إلهي.

كثيرا ما احببت العمل في الخدمة الروحية والمساعدة في النشاطات الخاصة بالكنيسة وخاصة خدمة الناشئات والمخيمات الصيفية في الكنيسة، كما أن التحاقي بمركز توما الاكويني التابع لكنيسة العائلة المقدسة بغزة ودراسة العديد من المساقات الخاصة باللاهوت، دفعني للتسجيل والاصرار للالتحاق بالكلية لدراسة الماجستير في القيادة المسيحية. فالمساقات التي طُرحت خلال هذه الدراسة عززت لدي الانتماء للوطن والأرض وكلمة الله.

منذ التحاقي في البرنامج، ساهمت الكلية في العديد من المجالات نحو تطويري كطالبة ماجستير، من خلال تكليف أشخاص ذو كفاءة عالية للتواصل معنا ومتابعة الامور الأكاديمية من حيث الكتب والمحاضرات والابحاث وذلك نظراً لشح المواد الخاصة للدراسة، فغزة تعاني من ندرة الكتب الخاصة للدراسات المسيحية واللاهوتية. كما أن شح المعلومات المتوفرة لدينا كمسيحين في القطاع أدى الى تراجع أداءنا في اول المشوار الأكاديمي، ولكن الدعم الذي وجدناه من الاخوة في الكلية والقساوسة والقائمين عليها شجعنا، عن طريق ارسال المحاضرات مسجلة لنا ومتابعتنا عبر مواقع التواصل الخاصة بصفة شخصية وتشجيعنا على اداء أفضل ما لدينا وعدم الاستسلام.

كأم لثلاث بنات أكبرهن في سن المراهقة، للأسف اضطرتني الظروف التي يعاني منها القطاع من الناحية السياسية في ظل وجود الحكم الاسلامي والحروب المتتالية على القطاع الذي دب الرعب في قلوب ابنائنا، والظروف التي عانينا منها وما زال سكان القطاع يعاني منها حتى هذه اللحظة، ولان الجهة الحاكمة لا تحترم المسيحين كأشخاص بل تعتبرهم كورقة رابحة للحصول على الحماية، كل ذلك دفعني للاستقرار في بيت لحم منذ ما يقارب العام. ورغم تواجد زوجي في القطاع وزيادة الاثقال على عاتقي إلا أن الكلية والقائمين عليها ساعدوني كما عاهدتهم من الناحية الاكاديمية. كما أن زميلات الدراسة جمعتني معهم علاقة محبة وتعاون، والأكاديميين والاداريين القائمين على الكلية هم من دعموني وشجعوني بشكل لا يوصف.

لا أستطيع ان أنكر ما قدمته الكلية لي على الصعيد الشخصي، فقد وسعت مداركي اللاهوتية وسبل التواصل مع المحيطين بي عن طريق التغيير الذي لاحظته بشكل مباشر في شخصيتي، وطريقة تواصلي مع الاهل والمحيطين، بالإضافة الى كمية المعلومات التي اكتسبتها خلال دراستي والتي ساهمت في تطوير فكري، والذي انعكس على بناتي بصفة شخصية، فأصبحت لدي القدرة على ايضاح الاشياء المبهمة لديهم سواء على الصعيد الاجتماعي من العادات والتقاليد أو على الصعيد الأكاديمي من خلال المناهج التعليمية.

لذلك اتقدم بجزيل الشكر والعرفان للقائمين على هذا الصرح العملاق من إداريين وأكاديميين كل باسمه ولقبه، واتمنى لهم المزيد من التقدم والنجاح والانتشار على الصعيد المحلي والعالمي، لما لديها من امكانيات ونوابغ تفوق الوصف. كما واتمنى ان تعمل على زيادة الوعي المسيحي والتعمق في كلمة الله وحب الله داخل المجتمعات المسيحية، فالكلية هي المنارة التي تنير قلوبنا وعقولنا.